محمود سالم محمد

63

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وأصبح فينا أحمد في أرومة * تقصّر عنها سورة المتطاول حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إليها ليس عنه بغافل « 1 » لاحظ الأصمعي في القصيدة متسعا للتّزيّد والإضافة ، فالقصيدة تدعو إلى التساؤل ، وخاصة حول دواعي هذا المدح ، وأبو طالب حينذاك سيد قومه ، ولم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم قد عرف قدره حق المعرفة بين الناس ، ولذلك فسر ابن أبي الحديد « 2 » هذا الأمر بقوله : « وإن سرا اختص به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أقام أبا طالب - وحاله مع حاله - مقام المادح له ، لسرّ عظيم وخاصيّة شريفة . . وهذا في باب المعجزات عند المنصف ، أعظم من انشقاق القمر وانقلاب العصا » « 3 » . ومما يزيد من ظلال الشك التي تحيط شعر ذلك العصر ، الشعر الذي نسب إلى الجن والذي كثرت رواياته كثرة مفرطة ، حتى ألّفت فيها رسالة ( هو اتف الجن ) ، التي نقل مؤلفها عن المسعودي « 4 » قوله : « فأما الهواتف ، فقد كانت كثرت في العرب ، واتصلت بديارهم ، وكان أكثرها أيام مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وفي أوّلية مبعثه ، ومن حكم الهاتف أن يهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي » « 5 » . وقد جمع المؤلف في رسالته هذه ما هتفت به الجن ، أو نطقت به الكهان ، مبشرة بمبعث رسول اللّه ، وبدأه بقوله :

--> ( 1 ) الحماسة البصرية : ص 118 . ( 2 ) ابن أبي الحديد : عبد الحميد بن هبة اللّه بن محمد ، عالم بالأدب ، قدم في الدواوين السلطانية ، من تصانيفه ( شرح نهج البلاغة ) . توفي سنة ( 656 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 280 . ( 3 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 11 / 116 . ( 4 ) المسعودي : علي بن الحسين بن علي ، مؤرخ رحاله ، أقام بمصر ، من مؤلفاته ( مروج الذهب ) توفي سنة ( 346 ه ) . ابن شاكر : فوات الوفيات : 3 / 12 . ( 5 ) ابن سهل الخرائطي : رسالة هواتف الجن ص 134 .